The text size have been saved as 105%.

في المغرب.. طائر رخ يمنح "البركات"!

نسخة للطباعة نسخة للطباعة أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
يحضن الضريح العديد من المعدمين والبسطاء والمجانين

 
عند الباب بواب أو بوابة لا نعرف بالضبط من المسؤول الحقيقي عن الولي لكثرة الوجوه النسوية والذكورية التي ترى فينا شخصا غريبا جاء من كوكب آخر. متسولون ومتسولات معطوبين ومتشردون نقف تحت قبة الولي تتردد حولنا أصوات الزوار: "بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم". نستشعر أن للمكان هيبة خاصة، قبر مغطى بأثواب بهية، تعطي للفضاء إضاءة مميزة، نساء راقدات رجال يقرؤون آخرون يتمتمون أطفال وطفلات وشموع بكل الألوان.
هذاهو سيدي بن عاشر واحد من الأضرحة التي يكتظ بها المغرب مثل سيدي رحال سيدي موسى سيدي إبراهيم سيدي محمد الشرقي مولاي بوعرة سيدي الضاوي سيدي علي... الخ، فضاء صوفي يأتي إليه الناس من كل صوب وحدب منهم المريض ومنهم « المثقف" ومنهم المهووس بهواجس " شر النفاثات في العقد" ومنهم المسكون بمهنة البحث عن المتاعب يدفعه فضوله لمعرفة ما يجري هناك مثلنا طبعا.
 
حلقات وموسيقى روحية

أكثر الأيام عيدا في ضريح سيدي بن عاشر ليس هو الجمعة حيث يربط العديد من الناس بين يوم الجمعة كعيد أسبوعي للمسلمين، وزيارة القبور والأضرحة والأولياء فحواريون للضريح قالوا لنا، إن يوم الاثنين هو اليوم المفتوح لبركات الولي الصالح سيدي بن عاشر، ففي كل يوم من أيام الاثنين يتحول فضاء الضريح إلى موسم حقيقي لاحتفال، أفواج كثيرة تساءا وذكورا وأطفالا يحضرون إلى المكان، بائعو الحلويات والبالونات تدفع الأعلام الفتح المبين، وتقرع طبول الحضرة بجانب الضريح تهاليل زغاريد أغاني وضجيج وحلقات، هل تدركون معنى "حلقات" انه نمط شعبي مغربي ارتبط في بادئ الأمر بالجمهور والناس الذين يتحلقون حول فنان يبيع الفرجة للناس بما يجودون به، وفي مراكش تنتشر هذه الحلقات منذ مئات السنين في فضاء (جامع ألفنا)، وكذلك في العديد من الأسواق المغربية الأسبوعية تعقد مثل هذه الحلقات حلقات شعبية للترفيه تحتفل في العمق بمواضيع اجتماعية، دينية فكاهية من اجل إسعاد الناس المتحلقين..."حلقات" ضريح سيدي بن عاشر لها طابع خاص بحيث إنها تحافظ على طابعها الصوفي، "الخرافي"، "حلايقية" يتحدون الواقع، يشربون ماءا حارا، ويدعون البركة، يغرسون خناجر وسكاكين وابر في أجسادهم يقاومون الآلام يجذبون يرقصون رقصا أسطوريا، ينتفون شعورهم يمزقون صدورهم. ويسقطون مغشيا عليهم، دون حراك.
 
يأتي واحد من المتفرجين بقارورة عطر، وجاء أخر يتمتم بكلام غير مفهوم، برهة ينهض المغشي عليه من سباته العميق، تستمر الموسيقى والجذب الهستيري، وإيقاع طبل صوت حنين لناي إفريقي من جهة سيدي رحال بإقليم قلعة السراغنة. يستمر الجذب تنتقل العدوى إلى المتفرجين والمتفرجات تنجذب الفتاة وترقص بطريقة هستيرية "تتحير" تنتف شعرها هي الأخرى تمزق صدرها ترمي بمحفظتها بعيدا، وتسقط معشية عليها دون حراك، واعين لصوص متشردين على صدرها، يتحينون الفرصة للانقضاض على سبيكة الذهب التي تعلقها في عنقها والأقراص اللامعة التي تزين أذنيها الصغيرتين، ولكن تزاحم الزوار حولها وهم يرددون "سبحان الله ..سبحان الله" يحول دون تحقيق اللصوص لغايتهم.
 
طقوس حمداوية وكناوية

هذا هو موسم بن عاشر يوم كل اثنين بعد الظهر أطفال يلعبون فتيات "يتحيرون"أباء وأمهات يبسملون ويحوقلون متسولون ومتسولات عجزة يكسرون القلب هنا وهناك. يقول احد الزوار:"في الحقيقة أنا آتي كل اثنين إلى سيدي بن عاشر لأروح عن نفسي وعن عائلتي من مدينة الرباط، زوجتي تدخل إلى الضريح للزيارة أنا أفضل الاستمتاع بهذه الطقوس الكناوية والحمدوشي ـ فرق موسيقية صوفية ـ، والفرجة على الحلقة إنها بالفعل أشياء مؤثرة، خاصة حين ترى الحلايقي يشرب الماء حارا من فوق موقد النار، إنها أعجوبة كما أني متأثر بالناس والنساء الذين يسقطون إغماء متأثرين بالحال، أضف إلى ذلك منظر الضريح شئ جذاب خاصة وانه موجود على صخور المحيط الأطلسي الشئ الذي يعطي هالة من الإجلال، وبعدا رمزيا في الماء واليابسة.
 
"تنجذب الفتاة وترقص بطريقة هستيرية تنتف شعرها تمزق صدرها ترمي بمحفظتها بعيدا وتسقط معشية عليها دون حراك"
 
حالات من الإغماء

"الجذبة" أو ما يعرف عند المهتمين بهذا الجنس السيكولوجي العجيب، "حال" من أحوال الناس وطقس نفسي واجتماعي ملئ بمشاعر الخوف والهذيان والغيبوبة، والجذبة في موسم اثنين سيدي بن عاشر، أمر عادي بالنسبة للناس هناك يجذب "الحلايقي" كما يجذب المتفرج أو المتفرجة يصرخون يضطرب أجسادهم وتتحرك رؤوسهم بشكل غريب، وإذا أراد أن يمسك بهم احد للتخفيف من عذابهم منهم من يصرخ ومنهم من يضرب بجمع يديه، ومنهم من يسقط مغشيا عليه فسبحان الله، ان أكثر "المجذوبين"و"المجذوبات" تنتهي طقوسهم الخاصة بسقوط مفاجئ دون حراك، اغلبهم يفضلون رائحة العطور، ومنهم من لا يفضل شيئا غير الهواءحتى يستفيق، وبالتالي على من معه أن يشق ثياب صدره ليفسح المجال لهواء بارد يتسرب بين ثنايا الصدر، ثم تدب فيه الحياة من جديد.يقول احدهم ـ رفض التصريح باسمه وهو يناهز الخمسين ـ : "كلما سمعت هذه الموسيقى الروحانية (إيقاع الطبول، وصفير ناي تقليدي) يشدني الحنين إلى "الجذبة"، يبدأ قلبي في الخفقان بسرعة، أساير الإيقاع الروحاني بشكل كبير أتوحد، وبرهة يبدأ جسدي وأطرافي وراسي في الحراك، كأني ارقص أو شيئا من هذا القبيل، تزداد الموسيقى حراكا، وتزداد حالتي اضطرابا وتوحدا مع الموسيقى، ثم بعدها أغيب عن الوجود ولا اعرف ما الذي أنا فاعله، إلى حين استفيق فأجدهم قد صبوا على وجهي ماءا باردا، وتركوا لأنفي يشم رائحة البخور والعطر رجالي أو نسائي لا يهم... المهم هو الرائحة..
 
لا أمن بالشعوذة
العربية
No votes yet